رئيس التحرير
محمد صلاح
الاهلي ٢٦
الأخبار
هل يقود تطبيق Soft POS مصر إلى مرحلة جديدة من المدفوعات غير النقدية؟

هل يقود تطبيق Soft POS مصر إلى مرحلة جديدة من المدفوعات غير النقدية؟

يمثل إطلاق البنك المركزي المصري لخدمة قبول المدفوعات اللاتلامسية عبر الأجهزة الذكية باستخدام تطبيق Soft POS خطوة استراتيجية جديدة في مسار تحديث منظومة المدفوعات في مصر، وخطوة تتجاوز في مضمونها الإطار التقني لتلامس جوهر السياسات الاقتصادية والمالية الهادفة إلى تقليص الاعتماد على النقد، وتوسيع قاعدة الشمول المالي، ورفع كفاءة دورة المال داخل الاقتصاد.

abe 26

فالخدمة لا تُطرح باعتبارها “بديلًا تقنيًا” فحسب، بل كحل واقعي لإحدى أكثر الإشكاليات المزمنة في سوق المدفوعات، والمتمثلة في تكلفة وتعقيد القبول الإلكتروني لدى قطاعات واسعة من التجار.

من نقطة بيع تقليدية… إلى منظومة قبول ذكية

لأعوام طويلة، ارتبط مفهوم القبول الإلكتروني بجهاز POS التقليدي، الذي مثّل – رغم أهميته – عائقًا أمام العديد من الأنشطة التجارية الصغيرة، سواء بسبب تكلفة الجهاز، أو الصيانة، أو متطلبات التشغيل، ومع تطبيق Soft POS، يحدث التحول الجوهري: لم تعد نقطة البيع جهازًا ثابتًا، بل أصبحت تطبيقًا ذكيًا، قادرًا على العمل عبر الهاتف المحمول أو التابلت، دون الحاجة إلى استثمارات إضافية، أو بنية تشغيلية معقدة.

وهنا، لا نتحدث عن تغيير في الشكل، بل عن توسيع حقيقي لقاعدة القبول الإلكتروني، بما يسمح بانتشار أوسع لوسائل الدفع الرقمية في الأنشطة اليومية.

ما هي خدمة Soft POS؟

تعتمد خدمة Soft POS على قيام التاجر بتحميل تطبيق مخصص على هاتفه المحمول أو جهازه اللوحي، ليتم تحويل الجهاز الذكي إلى نقطة قبول إلكترونية متكاملة، تتيح استقبال المدفوعات باستخدام البطاقات اللاتلامسية بمختلف أنواعها، وفق أعلى معايير الأمان المعتمدة دوليًا.

وتتيح الخدمة إدخال الرقم السري للبطاقة مباشرة على شاشة الجهاز الذكي بطريقة آمنة ومعتمدة، دون الحاجة إلى أجهزة إضافية، وهو ما يجعلها حلًا عمليًا ومرنًا، يتناسب مع طبيعة الأنشطة التجارية اليومية، خاصة لدى التجار والشركات الصغيرة ومتناهية الصغر.

وبهذا المفهوم، تنتقل نقطة البيع من كونها أداة تقليدية إلى حل رقمي متنقل، قادر على العمل في أي مكان، وفي أي وقت، وبأقل تكلفة تشغيلية ممكنة.

الشمول المالي… حين يصبح خيارًا طبيعيًا لا التزامًا مفروضًا

أهمية Soft POS لا تكمن فقط في نشر وسائل الدفع الإلكتروني، بل في إزالة الحواجز النفسية والمالية التي كانت تحول دون انضمام شرائح واسعة إلى المنظومة الرقمية.

فالتاجر الذي يمتلك هاتفًا ذكيًا، لم يعد بحاجة إلى قرار استثماري أو إجراءات معقدة للبدء في قبول المدفوعات الإلكترونية، وهو ما يحول الشمول المالي من “هدف تنظيمي” إلى سلوك اقتصادي يومي.

وهنا يتحقق التحول الحقيقي:

  • لا إجبار على التخلي عن النقد، بل تقديم بديل أسهل وأسرع وأكثر أمانًا يسمح للسوق نفسه أن يقود عملية التحول

خطوة تحظى بإشادات وتنسجم مع رؤية الدولة 2030

يحظى إطلاق خدمة Soft POS بإشادات واسعة، باعتباره نموذجًا عمليًا يتسق بوضوح مع مستهدفات رؤية مصر 2030، خاصة في محاور التحول الرقمي، وتعزيز الشمول المالي، وبناء اقتصاد تنافسي قائم على التكنولوجيا.

فالخدمة:

  • تدعم رقمنة المعاملات اليومية
  • تسهم في تمكين المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر
  • تعزز كفاءة البنية التحتية للمدفوعات
  • تساعد على دمج الاقتصاد غير الرسمي تدريجيًا

وهي عناصر تمثل ركائز أساسية في استراتيجية الدولة لبناء اقتصاد أكثر استدامة وشفافية.

Soft POS والاقتصاد غير الرسمي: دمج هادئ بلا صدام

الاقتصاد النقدي لا يمثل فقط عبئًا تشغيليًا، بل يحد من كفاءة السياسات المالية، ويُضعف القدرة على التخطيط الاقتصادي الدقيق. ومن هنا، تأتي أهمية حلول مثل Soft POS، التي تتيح دمجًا تدريجيًا ومرنًا للأنشطة غير الرسمية داخل الإطار المنظم، دون فرض أعباء أو اشتراطات معقدة.

فالتاجر الذي يبدأ في قبول الدفع الإلكتروني:

  • يخلق سجل معاملات أوضح
  • يصبح مؤهلًا لاحقًا لخدمات مالية أوسع
  • يسهم بشكل غير مباشر في تحسين جودة البيانات الاقتصادية

توقيت محسوب يعكس نضج التجربة

إطلاق الخدمة رسميًا بعد مراحل تجريبية سابقة، يعكس نهجًا يعتمد على الاختبار والتطوير قبل التعميم، وهو ما يضمن جاهزية السوق، وحماية المستخدم، واستقرار منظومة الدفع.

كما أن التوقيت يتزامن مع ارتفاع وعي المستهلك، وتوسع استخدام البطاقات والدفع اللاتلامسي، ما يجعل السوق أكثر استعدادًا لاستيعاب هذا النوع من الحلول الذكية.

الخلاصة: قرار بسيط… بأثر هيكلي

قد تبدو Soft POS مجرد تطبيق، لكنها في حقيقتها أداة تغيير هيكلي في منظومة المدفوعات، تعيد تعريف نقطة البيع، وتمنح السوق أدوات أكثر مرونة، وتدفع الاقتصاد خطوة إضافية نحو نموذج أقل اعتمادًا على النقد.

إنها خطوة تؤكد أن التحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ من التعقيد، بل من تبسيط الحلول، وتمكين الفاعلين الحقيقيين في السوق، وتحويل الرؤى الاستراتيجية إلى واقع ملموس.

ومع كل خطوة من هذا النوع، تقترب مصر أكثر من بناء اقتصاد رقمي كفء، شامل، ومستدام، يتماشى مع طموحات الدولة ومستهدفات 2030.

 

اعرف / قارن / اطلب