رئيس التحرير
محمد صلاح
الاهلي ٢٦
الأخبار
السيولة المحلية في صعود مدروس… كيف يعزز التوسع النقدي استقرار القطاع المصرفي ويدعم النمو الاقتصادي؟

السيولة المحلية في صعود مدروس… كيف يعزز التوسع النقدي استقرار القطاع المصرفي ويدعم النمو الاقتصادي؟

السيولة كمؤشر لصحة الاقتصاد الكلي

abe 26

 

تُعد السيولة المحلية أحد أبرز المؤشرات التي تعكس ديناميكية الاقتصاد وقدرته على التوازن بين النمو والاستقرار. فهي لا تعبّر فقط عن حجم الكتلة النقدية المتداولة، بل تكشف أيضًا عن مستوى الثقة في الجهاز المصرفي، وكفاءة أدوات السياسة النقدية في إدارة الضغوط التضخمية وتحفيز النشاط الاقتصادي.

 

وفي هذا الإطار، أظهرت بيانات شهري يوليو وأغسطس 2025 ارتفاعًا ملحوظًا في حجم السيولة المحلية، لتصل إلى نحو 13.388 تريليون جنيه بنهاية أغسطس، بزيادة قدرها 315.2 مليار جنيه خلال شهرين فقط. ويعكس هذا التطور توسعًا نقديًا مدروسًا يتماشى مع متطلبات النمو الاقتصادي دون الإخلال باستقرار الأسواق.

تركيبة النمو النقدي: توسع متوازن يعزز الاستقرار

 

يكشف تحليل مكونات السيولة المحلية أن هذا النمو جاء نتيجة توزيع متوازن بين عناصر المعروض النقدي المختلفة، حيث:

  •     •    ارتفعت أشباه النقود بنحو 176.3 مليار جنيه.
  •     •    زاد المعروض النقدي بنحو 138.9 مليار جنيه.

 

ويشير هذا التوازن إلى أن التوسع لم يكن مدفوعًا بزيادة النقد المتداول فقط، بل جاء مدعومًا بنمو الودائع المصرفية، وهو ما يعكس ارتفاع ثقة الأفراد والمؤسسات في الجهاز المصرفي وتراجع الميل للاحتفاظ بالأموال خارج القنوات الرسمية.

 

كما أن ارتفاع الودائع غير الجارية بالعملة المحلية بنحو 198.6 مليار جنيه يعكس تحسنًا في السلوك الادخاري، وميلاً أكبر نحو الاحتفاظ بالسيولة داخل القطاع المصرفي، وهو عامل أساسي في دعم الاستقرار النقدي وتعزيز قدرة البنوك على تمويل الأنشطة الاقتصادية.

الائتمان المحلي كمحرك رئيسي للنشاط الاقتصادي

 

ساهم نمو صافي الأصول المحلية بنحو 186.7 مليار جنيه في دعم التوسع النقدي، مدفوعًا بزيادة قوية في الائتمان المحلي بلغت 659.6 مليار جنيه. ويعكس هذا النمو توسعًا ملحوظًا في التمويل الموجه لمختلف قطاعات الاقتصاد، بما يحمل دلالات إيجابية على النشاط الإنتاجي والاستثماري.

ويتضح من توزيع الائتمان ما يلي:

  •     •    استمرار دور البنوك في تمويل الاحتياجات الحكومية.
  •     •    نمو التمويل الموجه لقطاع الأعمال الخاص، بما يعزز القدرة الإنتاجية.
  •     •    زيادة التمويل الممنوح للأسر، مما يدعم الطلب المحلي ويحفّز النمو.

 

ويشير هذا التوزيع إلى وجود توازن نسبي بين متطلبات النمو الاقتصادي واعتبارات الاستقرار المالي، بما يعزز من متانة الجهاز المصرفي.

تحسن صافي الأصول الأجنبية يعزز قوة القطاع المصرفي

 

شهد صافي الأصول الأجنبية للجهاز المصرفي ارتفاعًا بنحو 128.5 مليار جنيه خلال شهرين، وهو ما يعكس تحسن تدفقات النقد الأجنبي وزيادة قدرة البنوك على الوفاء بالتزاماتها الخارجية.

 

كما يعكس هذا التطور تحسن المراكز المالية بالعملة الأجنبية، ويمنح القطاع المصرفي مرونة أكبر في مواجهة الصدمات الخارجية، إضافة إلى توسيع نطاق المناورة أمام السياسة النقدية في إدارة الأسواق.

 

وتأتي هذه المؤشرات في إطار الجهود المستمرة التي يقودها البنك المركزي المصري لتعزيز الاستقرار النقدي ودعم قوة الجهاز المصرفي.

ارتفاع الاحتياطي يدعم مرونة السيولة المصرفية

 

وصل حجم الاحتياطي إلى نحو 2.405 تريليون جنيه، ما يعكس تحسن مستويات السيولة لدى البنوك وقدرتها على التوسع في الإقراض دون ضغوط تمويلية. كما يشير ارتفاع ودائع البنوك لدى البنك المركزي إلى:

  •     •    قوة المراكز المالية للبنوك.
  •     •    تحسن إدارة السيولة داخل القطاع المصرفي.
  •     •    تعزيز قدرة البنوك على مواجهة تقلبات السوق.

 

في المقابل، جاء ارتفاع النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي بوتيرة محدودة، بما يعكس توازنًا صحيًا بين السيولة المتاحة ومتطلبات النشاط الاقتصادي.

 

  • الدلالات الاقتصادية للاتجاه النقدي الحالي

 

تعكس التطورات الأخيرة في مؤشرات السيولة عدة دلالات مهمة، أبرزها:

  •     •    نجاح السياسة النقدية في تحقيق توازن بين دعم النمو وكبح التضخم.
  •     •    تحسن مستويات الثقة في الجهاز المصرفي.
  •     •    عودة النشاط الائتماني بشكل منظم ومستدام.
  •     •    قدرة النظام المصرفي على استيعاب التوسع النقدي دون اضطرابات.
  •     •    تطور كفاءة إدارة السيولة على مستوى الدولة والبنوك.

 

كما تؤكد هذه المؤشرات أن التوسع النقدي الحالي لا يعكس ضغوطًا استهلاكية غير منضبطة، بل يرتبط بشكل أكبر بالنشاط الإنتاجي الحقيقي، وهو ما يدعم الاستقرار المالي على المدى المتوسط.

خلاصة المشهد النقدي

 

تشير الزيادة في السيولة المحلية خلال منتصف عام 2025 إلى مرحلة من الاستقرار النقدي المدروس، تقوم على دعم النشاط الاقتصادي دون الإخلال بمتطلبات الاستدامة المالية. كما أن توازن مصادر النمو النقدي وتحسن هيكل الأصول المحلية والأجنبية يعززان من قدرة الجهاز المصرفي المصري على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

 

وتعكس هذه التطورات مستوى متقدمًا من النضج في إدارة السياسة النقدية، بما يدعم التوجه نحو مرحلة أكثر استقرارًا وتوازنًا في المسار الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.

اعرف / قارن / اطلب