بعد حقبة مشتعلة بالأزمات.. جيروم باول يودع الاحتياطي الفيدرالي
يستعد جيروم باول لإنهاء ولايته على رأس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بعد ثماني سنوات قاد خلالها البنك المركزي الأميركي في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا وتعقيدًا في التاريخ الاقتصادي الحديث للولايات المتحدة.
وشهدت فترة رئاسته سلسلة من الأزمات الاستثنائية، بدءًا من جائحة كورونا والانكماش الاقتصادي الحاد، مرورًا بموجة التضخم الأعلى منذ أكثر من أربعة عقود، وصولًا إلى الضغوط السياسية المتزايدة والتقلبات العالمية في أسواق الطاقة.
حقبة استثنائية في تاريخ الفيدرالي
يوصف باول بأنه أحد أكثر رؤساء الاحتياطي الفيدرالي تعرضًا للاختبارات خلال تاريخ المؤسسة الممتد لأكثر من قرن، حيث واجه البنك المركزي الأميركي خلال ولايته تحديات غير مسبوقة تطلبت قرارات سريعة وحاسمة للحفاظ على استقرار الاقتصاد والأسواق المالية.
ومن المقرر أن تنتهي ولايته رسميًا يوم الجمعة المقبل، بعد تأكيد تعيين كيفن وارش خلفًا له عقب موافقة مجلس الشيوخ الأميركي.
ويرى مسؤولون سابقون في الفيدرالي أن باول تميز بأسلوب قيادة قائم على العمل الجماعي والثبات تحت الضغط، ما ساعد المؤسسة على التعامل مع الأزمات المتتالية بكفاءة نسبية.
جائحة كورونا.. الاختبار الأصعب
شكلت جائحة كورونا التحدي الأكبر خلال فترة رئاسة باول، بعدما تسبب الإغلاق الاقتصادي في ربيع عام 2020 في انهيار النشاط الاقتصادي وارتفاع البطالة إلى 14.8%، وهو أعلى مستوى منذ الكساد الكبير.
كما شهدت الأسواق المالية اضطرابات حادة مع اندفاع المستثمرين نحو السيولة، ما أدى إلى أزمة ائتمانية واسعة.
واستجابة لذلك، عقد الفيدرالي اجتماعين طارئين خلال مارس 2020، تم خلالهما خفض أسعار الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر، إلى جانب إطلاق برامج ضخمة لضخ السيولة ودعم النظام المالي.
ووصف باول تلك الإجراءات بأنها غير مسبوقة وتهدف إلى بناء جسر نحو التعافي الاقتصادي، بالتوازي مع برامج التحفيز المالي الحكومية.
معركة التضخم والانتقادات الواسعة
بعد التعافي السريع من تداعيات الجائحة، واجه الاقتصاد الأميركي موجة تضخم قوية خلال عام 2021 نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع الأجور وزيادة الطلب الاستهلاكي.
وفي البداية، اعتبر باول ومسؤولو الفيدرالي أن التضخم سيكون مؤقتًا، إلا أن استمرار ارتفاع الأسعار لفترة أطول عرض البنك المركزي لانتقادات واسعة.
ومع تفاقم الضغوط التضخمية، بدأ الفيدرالي في مارس 2022 واحدة من أقوى دورات رفع أسعار الفائدة منذ الثمانينيات، في محاولة للسيطرة على التضخم الذي بلغ ذروته في يونيو 2022.
ورغم التحذيرات من احتمالية دخول الاقتصاد الأميركي في ركود نتيجة التشديد النقدي، أظهر الاقتصاد مرونة ملحوظة وتمكن من تفادي الانكماش الحاد.
استقلالية الفيدرالي تحت الضغط
يعد الدفاع عن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي أحد أبرز ملامح إرث باول، خاصة في ظل الضغوط السياسية المتكررة التي تعرض لها من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي طالب مرارًا بخفض أسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادي.
ورغم الانتقادات والتهديدات السياسية، تمسك باول بموقفه القائم على اتخاذ القرارات النقدية وفق البيانات الاقتصادية وليس وفق الضغوط السياسية، مؤكدًا أن استقلالية البنك المركزي ضرورية للحفاظ على استقرار الأسعار والثقة في الاقتصاد الأميركي.
مرحلة جديدة للفيدرالي
مع اقتراب نهاية ولايته، يدخل الاحتياطي الفيدرالي مرحلة جديدة بقيادة كيفن وارش، وسط بيئة اقتصادية لا تزال مليئة بالتحديات، تشمل استمرار الضغوط التضخمية، وتقلبات أسواق الطاقة، والتوترات الجيوسياسية العالمية.
وفي رسالته الأخيرة، شدد باول على أهمية ابتعاد رئيس الفيدرالي عن السياسة الانتخابية، مؤكدًا أن شرعية البنك المركزي تُكتسب من مصداقيته والتزامه بالاستقلالية والشفافية.
إرث باول الاقتصادي
يترك جيروم باول وراءه إرثًا معقدًا يجمع بين النجاح في إدارة أزمات تاريخية، والانتقادات المتعلقة بالتأخر في مواجهة التضخم.
لكن العديد من الاقتصاديين يرون أن فترة رئاسته ستُسجل باعتبارها واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ السياسة النقدية الأميركية، حيث تمكن خلالها الاحتياطي الفيدرالي من عبور أزمات متلاحقة دون انهيار اقتصادي شامل، مع الحفاظ على استقرار النظام المالي العالمي إلى حد كبير.






