الذهب بين دعم الفيدرالي وتقلبات المشهد الجيوسياسي
شهدت أسواق الذهب حالة من النشاط الملحوظ خلال تعاملات الفترة الأخيرة، حيث تمكن المعدن النفيس من تحقيق مكاسب لليوم الثاني على التوالي، مدفوعًا بمزيج من العوامل النقدية والجيوسياسية التي أعادت تشكيل توجهات المستثمرين. فقد جاء هذا الارتفاع في ظل تراجع حدة التوقعات المتعلقة بتشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة، إلى جانب تطورات متسارعة بشأن الصراع القائم مع إيران.
في هذا السياق، لعبت تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول دورًا محوريًا في دعم أسعار الذهب، حيث أشار إلى أن توقعات التضخم على المدى الطويل لا تزال تحت السيطرة، رغم الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط. كما أكد أن السياسة النقدية الحالية تمنح صناع القرار مساحة كافية لاعتماد نهج “الانتظار والترقب”، وهو ما انعكس سريعًا على الأسواق من خلال تراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية. هذا التراجع بدوره عزز جاذبية الذهب، باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا، حيث تنخفض تكلفة الفرصة البديلة لحيازته في بيئة الفائدة المنخفضة.
بالتوازي مع ذلك، ساهمت التطورات الجيوسياسية في دفع الأسعار نحو الارتفاع، خاصة بعد تقارير أشارت إلى استعداد دونالد ترامب لإنهاء العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، حتى في ظل استمرار التوترات المرتبطة بمضيق هرمز. وقد عززت هذه الأنباء من حالة التفاؤل الحذر في الأسواق، حيث يرى المستثمرون في أي بوادر لاحتواء الصراع عامل دعم إضافي للأصول الآمنة، وعلى رأسها الذهب.
ومع ذلك، لم تكن الصورة إيجابية بالكامل، إذ لا تزال الأسواق تتعامل مع إشارات متباينة تعكس حالة من عدم اليقين. ففي الوقت الذي تلوح فيه احتمالات التهدئة، تستمر التهديدات المتبادلة والتصعيدات المحتملة، سواء من جانب الولايات المتحدة أو إيران، وهو ما يبقي المخاطر الجيوسياسية قائمة. كما أن استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشددًا، وهو ما يمثل عامل ضغط على الذهب في المدى المتوسط.
ومن ناحية أخرى، تشير تحركات الأسواق المالية إلى أن المستثمرين لم ينتقلوا بعد إلى تسعير سيناريو تباطؤ اقتصادي واضح، حيث لا تزال توقعات خفض أسعار الفائدة محدودة. هذا الوضع يضع الذهب في نطاق تداول ضيق نسبيًا، حيث يتلقى دعمًا من تراجع العوائد، لكنه يواجه في الوقت ذاته ضغوطًا من قوة الدولار واستمرار حالة الحذر في الأسواق.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن الذهب يتحرك حاليًا في بيئة معقدة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية مع التطورات السياسية، ما يجعله شديد الحساسية للأخبار والتصريحات. وبينما توفر له السياسة النقدية الحالية بعض الدعم، تظل قدرته على تحقيق ارتفاعات قوية ومستدامة مرهونة بوضوح اتجاه الفائدة الأمريكية، إلى جانب مسار الأحداث الجيوسياسية في المنطقة.
ختامًا، يبقى الذهب في مرحلة ترقب، حيث يوازن المستثمرون بين آمال التهدئة ومخاطر التصعيد، في وقت تظل فيه قرارات البنوك المركزية العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاهاته المستقبلية.






