بنوك أمريكية ترفع توقعاتها للتضخم في الصين وتقلص رهانات خفض الفائدة
تشهد التوقعات الاقتصادية في الصين تحولا ملحوظا، بعدما قامت مجموعة من كبرى البنوك الأمريكية بإعادة تقييم مسار التضخم والسياسة النقدية خلال العام الجاري، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة عالميا.
ويعكس هذا التحول قراءة جديدة للمخاطر التضخمية، خاصة مع استمرار الضغوط الناتجة عن أسواق النفط.
ارتفاع التوقعات التضخمية
رفعت مؤسسات مالية كبرى مثل “بنك أوف أميريكا” و”سيتي جروب” و”جولدمان ساكس” تقديراتها لمعدلات التضخم في الصين، سواء على مستوى أسعار المستهلكين أو أسعار الجملة، وذلك في ضوء الارتفاع الحاد في أسعار النفط، نتيجة تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ما يزيد من تكاليف الإنتاج والنقل ويغذي الضغوط السعرية داخل الاقتصاد الصيني.
تراجع توقعات التيسير النقدي
بالتوازي مع ذلك، قلصت هذه البنوك توقعاتها بشأن خفض أسعار الفائدة في الصين؛ حيث تراجع بنك أوف أميريكا عن توقعاته السابقة بخفض الفائدة مرتين خلال العام بإجمالي 20 نقطة أساس، كما خفض سيتي جروب توقعاته إلى خفض واحد فقط بمقدار 10 نقاط أساس خلال النصف الثاني من العام، بعد أن كان يرجّح بدء دورة التيسير في الربع الثالث.
ويعكس هذا التعديل قناعة متزايدة بأن الضغوط التضخمية الحالية قد تحد من قدرة البنك المركزي الصيني على تبني سياسة نقدية توسعية في المدى القريب.
سياسة الترقب والانتظار
يرى محللو بنك أوف أميريكا أن السياسة النقدية في الصين تتجه حاليا نحو نهج أكثر حذرا، قائم على “الترقب والانتظار”، في ظل توازن دقيق بين دعم النمو واحتواء التضخم.
وأشاروا إلى أن الحاجة إلى التيسير الفوري أصبحت أقل، مع الاحتفاظ بمرونة التحرك السريع إذا ما تدهورت الأوضاع الاقتصادية، سواء على مستوى الطلب المحلي أو الخارجي.
انعكاسات السوق
تجلى هذا التحول في توقعات المستثمرين، حيث بدأت الأسواق في تقليص رهاناتها على خفض الفائدة.
وفي هذا السياق، ارتفع العائد على السندات الحكومية الصينية لأجل 30 عاما إلى أعلى مستوى له خلال 18 شهرا، ما يعكس تشددا ضمنيا في الأوضاع المالية وتوقعات بتباطؤ التيسير النقدي.
دور أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية
تظل أسعار الطاقة العامل الحاسم في هذه التطورات، إذ أدت الهجمات في منطقة الخليج إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط، مع مخاوف من اضطرابات أوسع في سلاسل الإمداد العالمية.
هذا الواقع الجديد دفع المستثمرين وصناع السياسات حول العالم إلى إعادة ضبط توقعاتهم الاقتصادية، ليس فقط في الصين، بل على مستوى الاقتصاد العالمي ككل.
سياق عالمي متشابه
لا يقتصر الحذر على الصين فقط، إذ أبقى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة دون تغيير، مع الإشارة إلى تزايد حالة عدم اليقين.
كما أكد بنك إنجلترا استعداده للتحرك في حال تسارع التضخم، ما يعكس توجها عالميا نحو الحذر والترقب في إدارة السياسة النقدية.
تشير هذه التطورات إلى أن الاقتصاد الصيني قد يواجه مرحلة أكثر تعقيدا خلال الفترة المقبلة، حيث تتقاطع الضغوط التضخمية مع الحاجة لدعم النمو.
وفي ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، يبدو أن خيارات التيسير النقدي ستظل محدودة، ما يعزز من توجه البنك المركزي نحو سياسة مرنة وحذرة في آنٍ واحد.




