خفض مزدوج يهز السوق.. الفائدة تتراجع والاحتياطي ينخفض… ماذا وراء القرار؟
قال الخبير المصرفي هاني حافظ إن قرار البنك المركزي المصري بخفض أسعار الفائدة الأساسية بنسبة 1%، بالتزامن مع تقليص نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك من 18% إلى 16%، يمثل خطوة تعكس تحولًا محسوبًا في توجه السياسة النقدية، بعد مرحلة طويلة من التشديد استمرت منذ 2022 لمواجهة موجة تضخم حادة.
وأوضح حافظ أن القرار لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الاقتصادي الحالي، حيث تشهد معدلات التضخم مسارًا نزوليًا تدريجيًا مقارنة بذروتها السابقة، في وقت ارتفع فيه العائد الحقيقي على الجنيه إلى مستويات مريحة نسبيًا، ما أتاح للبنك المركزي مساحة للتحرك وإعادة التوازن بين هدف استقرار الأسعار وضرورة دعم النشاط الاقتصادي.
المركزي يغير قواعد اللعبة… سيولة أكبر وفائدة أقل في توقيت حساس
لماذا خُفِّض الاحتياطي الإلزامي؟
أشار حافظ إلى أن رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي في سبتمبر 2022 كان أداة رئيسية لسحب السيولة من السوق وتقليص الضغوط التضخمية، إذ أُلزمت البنوك بإيداع نسبة أكبر من ودائع العملاء لدى البنك المركزي دون عائد.
أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة.
خفض النسبة إلى 16% يعني تحرير جزء من السيولة المحتجزة لدى البنك المركزي وإعادتها إلى الجهاز المصرفي، وهو ما يعزز قدرة البنوك على:
• التوسع في منح الائتمان
• تخفيض تكلفة التمويل
• تحسين إدارة السيولة الداخلية
• دعم خطط التوسع والاستثمار
وبحسب حافظ، فإن البنك المركزي انتقل فعليًا من سياسة “امتصاص السيولة” إلى سياسة “إعادة ضخ محسوبة للسيولة”، بما يتناسب مع المرحلة الاقتصادية الراهنة.
ما التداعيات المتوقعة؟
أولًا: على سيولة البنوك
القرار يحرر مليارات الجنيهات داخل القطاع المصرفي، ما يرفع مستويات السيولة المتاحة ويمنح البنوك مرونة أكبر في تمويل الشركات والأفراد، دون ضغوط إضافية على مراكزها المالية أو نسب كفاية رأس المال.
ثانيًا: على حجم الائتمان
يتوقع حافظ أن يشهد السوق توسعًا تدريجيًا في منح الائتمان، لا سيما للقطاع الإنتاجي، مدفوعًا بعاملين رئيسيين:
• انخفاض تكلفة الاقتراض بعد خفض أسعار الفائدة
• زيادة السيولة المتاحة نتيجة تقليص الاحتياطي الإلزامي
وأوضح أن هذا المزيج يمثل دفعة قوية للنشاط الاقتصادي، شريطة توجيه التمويل نحو القطاعات المنتجة، وليس المضاربات أو الأنشطة غير ذات القيمة المضافة.
ثالثًا: على معدلات التضخم
لفت حافظ إلى أن المخاطرة الأساسية تكمن في احتمال ارتفاع الطلب الكلي نتيجة زيادة السيولة وانخفاض تكلفة الاقتراض، ما قد يعيد الضغوط السعرية إذا لم يقابله توسع موازٍ في الإنتاج.
إلا أن الفارق الجوهري – بحسب تعبيره – أن القرار جاء في توقيت يتزامن مع مسار نزولي للتضخم، وهو ما يقلل من احتمالات عودته بقوة، طالما ظل التيسير النقدي تدريجيًا ومنضبطًا وليس صادمًا.
الرسالة الضمنية للأسواق
يرى حافظ أن الرسالة الأساسية من القرار المزدوج هي أن البنك المركزي لا يتخلى عن هدفه الرئيسي المتمثل في استقرار الأسعار، لكنه يعيد معايرة أدواته وفق متطلبات المرحلة.
الجمع بين خفض الفائدة وتقليص الاحتياطي الإلزامي يشير إلى بداية مرحلة “تيسير نقدي منضبط”، تستهدف دعم النمو وتحفيز الاستثمار، دون الإخلال بالانضباط النقدي أو الإضرار بمصداقية السياسة النقدية.
وبالنهايه أكد هاني حافظ أن القرار لا يقتصر على تحريك أرقام، بل يعكس إعادة توجيه للبوصلة النقدية من مرحلة التشديد الدفاعي إلى إدارة توازن أكثر مرونة.
وشدد على أن النجاح الحقيقي لن يُقاس بحجم السيولة التي تم تحريرها، بل بمدى توجيهها نحو الإنتاج والاستثمار الحقيقي، لا الاستهلاك المفرط أو المضاربة.
وختم قائلًا:
“إذا تحقق هذا التوازن، فقد نشهد مرحلة أكثر استقرارًا ونموًا خلال الفترة المقبلة، أما إذا اختلت المعادلة، فقد تعود الضغوط التضخمية إلى المشهد من جديد.”










