خبير مصرفي: المؤشرات ترجّح خفض المركزي للفائدة 100–150 نقطة أساس في اجتماعه القادم
تتجه الأنظار إلى اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري المقرر عقده في 12 فبراير 2026، في ظل حالة من التباين بين محللي السوق حول القرار المنتظر؛ فبينما يرى فريق أن التثبيت هو الخيار الأكثر حذراً في ظل الضغوط التضخمية والمخاطر الإقليمية، يعتقد فريق آخر أن الاقتصاد المصري بات مهيأً لاستكمال دورة التيسير النقدي التي بدأها البنك المركزي منذ أبريل الماضي.
وفي تقديري المهني، فإن قراءة المؤشرات الاقتصادية والنقدية الحالية ترجّح أن يميل البنك المركزي إلى خفض جديد يتراوح بين 100 و150 نقطة أساس، مدفوعاً بمجموعة متكاملة من العوامل التي تعكس تحسناً ملحوظاً في بيئة الاقتصاد الكلي.
أولاً: حجج أنصار التثبيت — منطق الحذر
هناك اعتبارات مهمة تدفع البعض إلى ترجيح تثبيت أسعار الفائدة، أبرزها:
1. استحقاقات شهادات الـ27%
تصل قيمة الاستحقاقات إلى نحو تريليون جنيه موزعة على الفترة من يناير إلى أبريل 2026. ويرى أنصار التثبيت أن الإبقاء على الأسعار الحالية يمنح المدخرين حافزاً للتجديد داخل الجهاز المصرفي، ويقلل احتمالات انتقال السيولة إلى قنوات غير رسمية أو أصول أكثر مخاطرة.
2. المخاوف التضخمية قصيرة الأجل
رغم التراجع الملحوظ في معدلات التضخم، فإن هناك توقعات بارتفاعات محدودة في فبراير نتيجة عوامل موسمية مثل زيادة أسعار السجائر والهواتف المحمولة، وارتفاع الطلب على بعض السلع الاستهلاكية مع اقتراب شهر رمضان. ومن ثم يفضل البعض انتظار شهر إضافي للتأكد من استدامة مسار الانخفاض.
3. المخاطر الجيوسياسية الإقليمية
تصاعد التوترات في المنطقة قد يحد من مرونة السياسة النقدية، ويجعل الحفاظ على جاذبية الجنيه كوعاء ادخاري أكثر أولوية في هذه المرحلة.
ثانياً: مبررات الخفض — منطق الاقتصاد الحقيقي
في المقابل، هناك أسباب قوية تدعم الاتجاه نحو الخفض:
1. العائد الحقيقي المرتفع
تراجع التضخم بوتيرة أسرع من حركة أسعار الفائدة خلق فجوة كبيرة في العائد الحقيقي، ما يضغط على الاستثمار ويزيد تكلفة التمويل على القطاع الخاص، ويحد من النشاط الاقتصادي.
2. تخفيف أعباء الموازنة العامة
كل خفض بنسبة 1% في أسعار الفائدة يحقق وفراً ملحوظاً في خدمة الدين العام، ما يتيح للحكومة مساحة أكبر لإعادة توجيه الموارد نحو الاستثمار والتنمية والحماية الاجتماعية.
3. التناغم مع الاتجاه الدولي
في ظل توجه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وعدد من البنوك المركزية الكبرى نحو التيسير التدريجي، فإن الإبقاء على فجوة فائدة واسعة لم يعد ضرورياً كما كان في السابق، بل قد يضعف القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.
ثالثاً: رؤيتي — لماذا أرجّح خفضاً بين 100 و150 نقطة أساس؟
من منظور مهني، أرى أن كفة الميزان تميل نحو الخفض للأسباب التالية:
1) دعم النمو والتشغيل
الاقتصاد المصري بحاجة إلى تقليل تكلفة الاقتراض لتحفيز الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل، خاصة بعد فترة طويلة من التشديد النقدي. واستمرار دورة التيسير ضروري لدعم القطاع الخاص.
2) تنشيط البورصة وبرنامج الطروحات
أسعار الفائدة المرتفعة تضغط على تقييمات الأسهم وتحد من جاذبية السوق. أما الخفض التدريجي خلال 2026 فيمكن أن يعيد توجيه جزء من السيولة المستحقة من شهادات يناير–أبريل نحو البورصة، بما يدعم برنامج الطروحات الحكومية.
3) توقع استمرار تباطؤ التضخم
تأثير سنة الأساس، وتلاشي الصدمات السابقة، والأثر التراكمي للسياسة النقدية، كلها تشير إلى أن التضخم مرشح لمزيد من الانخفاض خلال الربع الأول من العام.
4) “التأثير الثلاثي” لعوامل الثقة والاستقرار الكلي
أولاً — قوة الاحتياطي النقدي
وصول الاحتياطي إلى 52.5 مليار دولار يمثل صمام أمان قويًا، ويمنح البنك المركزي مساحة أوسع للتحرك دون مخاطر كبيرة على سعر الصرف.
ثانياً — تحسن صافي الأصول الأجنبية بالبنوك
ارتفاع صافي الأصول الأجنبية (المركزي + البنوك التجارية) إلى 25.48 مليار دولار في ديسمبر يعكس تحسناً واضحاً في السيولة الدولارية داخل الجهاز المصرفي وقدرته على تغطية الالتزامات الخارجية.
ثالثاً — استقرار الجنيه وتدفقات المحافظ الأجنبية
استقرار العملة المصرية مدعوم بتدفقات الاستثمار الأجنبي غير المباشر، ما يعزز قدرة السوق على استيعاب خفض إضافي دون ضغوط على سعر الصرف.
الخلاصة
رغم أن التثبيت يظل خياراً حذراً ومبرراً في نظر البعض، فإن مجمل المؤشرات — من تراجع التضخم، وتحسن الاحتياطي، وارتفاع صافي الأصول الأجنبية، واستقرار الجنيه — ترجّح أن يكون الخفض المدروس هو الخيار الأقرب منطقياً في اجتماع 12 فبراير.
ومن المرجح أن يشهد هذا الاجتماع خطوة جديدة ضمن مسار التيسير النقدي الذي بدأ العام الماضي، بما يدعم النمو الاقتصادي ويحافظ في الوقت نفسه على استقرار التوازنات الكلية.










