نهاية عصر "المحفظة".. كيف رسم قرار CIB ملامح بنوك 2026؟
في السنوات الأخيرة، أصبحت المحافظ الإلكترونية والتطبيقات الرقمية أحد أبرز ملامح التحول في المشهد المالي، بعدما انتقلت من كونها حلولًا مساندة إلى أدوات أساسية في الحياة اليومية للأفراد. فقد أعادت هذه المنصات صياغة طريقة التعامل مع الأموال، من الدفع والتحويل، إلى إدارة النفقات والالتزامات، مستفيدة من الانتشار الواسع للهواتف الذكية، وتسارع وتيرة التحول الرقمي، وتغيّر سلوك العملاء نحو السرعة والبساطة والاعتماد الكامل على القنوات غير التقليدية.
ومع تطور التجربة الرقمية، لم تعد المنافسة تدور حول توفير خدمة واحدة، بل حول بناء منظومة مالية متكاملة قادرة على جمع مختلف الخدمات داخل تطبيق واحد، يوازن بين سهولة الاستخدام، وعمق الخدمة، ومستويات الأمان، ليعكس تحولًا أوسع في فلسفة العمل المصرفي، حيث لم يعد البنك مكانًا يُقصد، بل تجربة رقمية تُعاش.
في هذا السياق، لم يكن إعلان البنك التجاري الدولي – مصر (CIB) عن الإيقاف النهائي لخدمات المحفظة الذكية اعتبارًا من منتصف أبريل 2026 قرارًا عابرًا، ولا يمكن قراءته باعتباره إجراءً تنظيميًا أو تقنيًا محدود الأثر. بل يحمل القرار دلالات أعمق تتجاوز فكرة “إلغاء خدمة” إلى إعادة تعريف شكل العلاقة بين البنك والعميل في مرحلة مفصلية من تطور الصناعة المصرفية.
القرار… أبعد من مجرد إيقاف خدمة
على مدار السنوات الماضية، لعبت المحافظ الإلكترونية دورًا مهمًا في دفع الشمول المالي وتسهيل المدفوعات الرقمية، خاصة في المراحل الأولى من التحول الرقمي. لكنها – وبمرور الوقت – تحولت إلى حلول مجزأة، تقدم وظيفة واحدة أو وظيفتين في عالم أصبح العميل فيه يبحث عن تجربة متكاملة، لا أدوات منفصلة.
إيقاف CIB للمحفظة الذكية يعكس قناعة استراتيجية واضحة:
المستقبل ليس في “أداة دفع”، بل في “منصة مالية متكاملة”.
فالمحفظة، بصورتها التقليدية، لم تعد قادرة على تلبية توقعات عميل 2026، الذي يريد أن يرى أمواله، ويديرها، ويستثمرها، ويدفع، ويقسط، ويتابع التزاماته المالية، من خلال تطبيق واحد، دون الحاجة للانتقال بين منصات متعددة.
العميل تغيّر… والبنوك مضطرة للتغيّر
القرار هو اعتراف صريح بأن سلوك العميل المالي تغيّر جذريًا.
العميل لم يعد يقبل بأن يكون “مستخدم خدمة”، بل أصبح “مدير ثروته اليومية”. ولم تعد المحافظ الإلكترونية، كنظام مستقل، قادرة على الوفاء بجميع متطلبات العملاء، خاصة بعدما أصبحت جميع خدماتها متاحة داخل التطبيقات البنكية الحديثة، بل وأكثر تطورًا وعمقًا.
وفي هذا الإطار، شهدت الخدمات البنكية الرقمية تطورًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، حيث أتاحت البنوك إجراء التحويلات اللحظية من خلال تطبيقات الموبايل البنكي، لتشمل ليس فقط التحويلات بين حسابات العملاء داخل البنك الواحد، ولكن أيضًا التحويلات إلى حسابات البنوك الأخرى داخل مصر، وبقيم تصل إلى 20 مليون جنيه.
وتُعد هذه الخدمة نموذجًا واضحًا على التحول من الاعتماد على المحافظ الإلكترونية المستقلة، إلى المنصات البنكية الشاملة، التي تجمع بين التحويل، والدفع، وإدارة الحسابات، داخل تطبيق واحد.
ومن أبرز البنوك التي تقدم هذه الخدمة: البنك التجاري الدولي – مصر (CIB)، والبنك العربي الأفريقي الدولي، وبنك بيت التمويل الكويتي – مصر، وبنك الكويت الوطني – مصر، وبنك ABC، وبنك الإمارات دبي الوطني – مصر، وبنك مصر، وبنك QNB مصر، وبنك تنمية الصادرات.
تطبيقات الموبايل البنكي… قلب التجربة الجديدة
تطبيقات الموبايل البنكي اليوم لم تعد مجرد قناة بديلة للفروع، بل تحولت إلى:
- مركز إدارة مالي شامل
- أداة تخطيط وإنفاق
- بوابة استثمار وادخار
- منصة أمان وهوية رقمية
وفي هذا السياق، يصبح الإبقاء على محفظة مستقلة تكرارًا غير مبرر، وربما عبئًا تشغيليًا وتجريبيًا، في ظل تكرار الوظائف داخل منظومة واحدة أكثر كفاءة.
إلى أين يتجه المشهد؟
المشهد الحالي يشير بوضوح إلى مرحلة إعادة فرز حقيقية داخل سوق المدفوعات الرقمية.
فمحافظ شركات الاتصالات قد تستمر بحكم انتشارها الواسع وسهولة استخدامها في المدفوعات اليومية، لا سيما خارج المنظومة المصرفية. أما محافظ البنوك التقليدية، فتواجه تحديًا وجوديًا في ظل صعود:
- البنوك الرقمية
- التطبيقات البنكية الشاملة
- نماذج “Super App” المصرفية
القيمة لم تعد في مجرد “الدفع”، بل في الربط الكامل بالخدمات المالية، وعمق التجربة، والقدرة على فهم العميل وتقديم حلول مصممة وفق سلوكه واحتياجاته.
من الثقة في المبنى… إلى الثقة في النظام
ما نراه اليوم ليس مجرد تطور تقني، بل تحول في فلسفة الثقة المالية نفسها.
فالثقة لم تعد في المبنى ولا في عدد الفروع، والأمان لم يعد في الخزنة، بل في الخوارزمية، والبنية التحتية، وحوكمة البيانات.
عميل 2026… بنك في الهاتف لا على الخريطة
عميل عام 2026 لا يبحث عن بنك يزوره، بل عن بنك يعيش في هاتفه، يحمي أمواله، ينميها، ويواكب إيقاع حياته المتسارع.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة خطوة البنك التجاري الدولي باعتبارها حركة استباقية واعية تعكس فهمًا عميقًا لمسار الصناعة المصرفية، واستعدادًا للتخلي عن نماذج فقدت جدواها، لصالح تجربة مصرفية أكثر تكاملًا وذكاءً.
في النهاية، لم يُغلق البنك خدمة… بل فتح فصلًا جديدًا في شكل البنك الذي نعرفه.









