رئيس التحرير
محمد صلاح
الأخبار

بعد أزمة كوك.. كيف يهدد التدخل السياسي مصداقية البنوك المركزية؟

هل الموضوع مفيد؟
شكرا

 

abe

يشهد العالم في الآونة الأخيرة جدلاً واسعاً حول استقلالية البنوك المركزية، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي. غير أن الضغوط السياسية المتنامية، لا سيما في الولايات المتحدة، أعادت هذا الملف إلى الواجهة بقوة بعد إقالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة وتمثل تهديداً مباشراً لاستقلال المؤسسة النقدية الأهم في العالم.

تاريخياً، ارتبطت مصداقية البنوك المركزية بقدرتها على اتخاذ قرارات نقدية محايدة بعيداً عن الحسابات السياسية قصيرة الأجل. فقد أظهرت تجارب عدة ــ من الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي، حين خضع الاحتياطي الفيدرالي لضغوط رئاسية تسببت في موجة تضخمية خانقة، إلى تجربة المملكة المتحدة في تسعينيات القرن الماضي حين مُنح بنك إنجلترا الاستقلال ــ أن أي تدخل سياسي في قرارات السياسة النقدية غالباً ما يقود إلى فقدان الثقة في الأسواق وتفاقم الاضطرابات الاقتصادية.

اليوم، تتجدد المخاوف من تكرار هذا السيناريو مع تصاعد محاولات الإدارة الأميركية للتأثير على مجلس الاحتياطي الفيدرالي. فقد أثارت إقالة كوك قلقاً واسعاً بين الخبراء والمؤسسات المالية الدولية، الذين حذروا من أن مثل هذه التدخلات قد تؤدي إلى زعزعة ثقة المستثمرين، وارتفاع تكاليف الاقتراض، وهروب رؤوس الأموال، فضلاً عن تهديد قدرة البنوك المركزية على مكافحة التضخم بشكل فعّال.

التحذيرات لم تقتصر على الخبراء المستقلين؛ إذ شددت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، على أن استقلالية السلطات النقدية شرط أساسي للحفاظ على استقرار الأسعار ودعم النمو. وأكدت أن تقويض هذا المبدأ يعني فقدان فعالية السياسة النقدية، الأمر الذي يقود إلى اضطرابات حادة وربما أزمات مالية أعمق.

في هذا السياق، يرى خبراء اقتصاديون أن فقدان الاستقلالية قد يضاعف من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، ويضعف الدور المحوري للبنوك المركزية في مواجهة الأزمات، كما حدث أثناء جائحة كورونا حين لعبت هذه المؤسسات دوراً محورياً في احتواء التداعيات الاقتصادية. وبذلك، فإن استمرار التدخلات السياسية المباشرة في عمل البنوك المركزية يمثل تهديداً لا يقتصر على الولايات المتحدة وحدها، بل يمتد أثره إلى النظام المالي العالمي ككل.

تكشف أزمة ليزا كوك عن هشاشة التوازن بين السياسة والاقتصاد في لحظة بالغة الدقة. وإذا استمرت التدخلات السياسية في تقويض استقلالية البنوك المركزية، فإن العالم قد يواجه تحديات أعمق من التضخم والركود، أبرزها فقدان الثقة في المؤسسات النقدية، وهو ما قد يهدد الاستقرار المالي العالمي لعقود مقبلة.

هل الموضوع مفيد؟
شكرا
اعرف / قارن / اطلب