اتجاه الفائدة والدولار.. اليوم ليس أشبه بالبارحة

اتجاه الفائدة والدولار.. اليوم ليس أشبه بالبارحة

هل الموضوع مفيد؟
شكرا



مر أكثر من عقد من الزمان ولا يزال الاقتصاد المصري صامد بقوة أمام تحديات جديدة كل يوم، تلك التحديات يكون بعضها نابع من الشأن الداخلي ولها آثار وتبعات مباشرة مثل أحداث يناير 2011، والفترات التي تبعتها، والبعض الآخر من التحديات الاقتصادية يكون نابع من الأحداث والمتغيرات العالمية والتي لها من الأثر والتبعات غير المباشرة على اقتصادنا القومي مثل جائحة كورونا مطلع عام 2020 والحرب الروسية الأوكرانية مطلع عام 2022.

أجد البعض يتساءل عن وضع الاقتصاد المصري لاسيما معدلات التضخم واتجاه سعر الصرف واتجاه أسعار الفائدة،  فتلك التساؤلات هي لسان حال المواطن لكن قبل أن نجيب على تلك التساؤلات المشروعة، ينبغي أن نتذكر سويًا بعض المؤشرات والحقائق التي قد يتغافلها البعض عن عمد! فتلك المؤشرات أصبحت المدخلات الحالية لاستنباط مؤشرات الأداء المستقبلية للاقتصاد المصري.

لمحة عن المؤشرات السابقة: نزيف الاحتياطي النقدي وارتفاع التضخم وفقدان مصادر الدخل من العملات الأجنبية

بلغ حجم الاحتياطي النقدي لمصر قرابة 36 مليار دولار بنهاية 2010، وانخفض بصورة ملحوظة ليسجل أدنى مستوياته التاريخية التي بلغت نحو 13.6 مليار دولار في يناير 2013، والتي كانت تغطي احتياجات مصر لمدة لا تتجاوز 40 يومًا آنذاك. أضف إلى ذلك تدني إيرادات السياحة نتيجة عدم الاستقرار السياسي، بالإضافة إلى انخفاض إيرادات قناة السويس نتيجة انهيار أسعار البترول التي سجلت 27 دولارًا للبرميل في يناير 2016، ناهيك عن تضاؤل حجم تحويلات المصريين بالخارج نظرًا لعدم استقرار سعر الصرف.

نتيجة ما سبق بدأت مصر برنامج اصلاح اقتصادي هيكلي انطلق في نوفمبر 2016 بإعلان تحرير سعر الصرف، وكانت لآثاره الجانبية الطبيعية ارتفاع مؤشر التضخم الذي سجل أعلى معدلاته التي بلغت 35% في يوليو 2017 وصاحبها ارتفاع الفائدة لتصل مستويات تاريخية بلغت 20%، عقب ذلك أطلق البنك المركزي العديد من المبادرات الاقتصادية التي شكلت علامة فارقة في دفع عجلة الإنتاج وامتصاص الموجة التضخمية، إذ سجل التضخم الأساسي أدنى مستوياته على أساس سنوي، والتي بلغت 0.722% في يوليو 2020.

المؤشرات الحالية:

الاحتياطي الأجنبي

ارتفع الاحتياطي النقدي ليسجل مستويات غير مسبوقة، والتي كسرت حاجز 45.5 مليار دولار في فبراير 2020 كمردود إيجابي لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، ثم انخفض بواقع 10 مليارات دولار دفعة واحدة، ليسجل 35.5 مليار دولار في مايو 2020، وذلك نتيجة الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدولة لمواجهة جائحة كورونا. ثم استمر منحنى الاحتياطي النقدي في الصعود ليسجل قرابة 41 مليار دولار بنهاية فبراير 2022.

إيرادات قناة السويس

شهد عام 2021 تحقيق قناة السويس أرقاماً قياسية جديدة وغير مسبوقة على مدار تاريخها، إذ حققت أعلى إيراد سنوي في تاريخ القناة بلغ 6.3 مليار دولار مقابل 5.6 مليار دولار خلال عام 2020، بزيادة قدرها 720 مليون دولار.

تحويلات المصريين بالخارج

ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 6.4% وبنحو 1.9 مليار دولار، لتسجل نحو 31.5 مليار دولار بنهاية عام 2021 مقابل نحو 29.6 مليار دولار خلال عام 2020.

إجمالي الصادرات

ارتفعت قيمة الصادرات المصرية -البترولية وغير البترولية- لتسجل 32 مليار دولار بنهاية عام 2021، بمعدل نمو بلغ 26.3%، وهو رقم يتحقق للمرة الأولى تاريخيًا، متخطيًا متوسط قيمة الصادرات المصرية السنوية خلال الفترة من 2016 إلى 2020. وتستهدف مصر زيادة قيمة الصادرات خلال العام 2022 لتبلغ 40 مليار دولار بمعدل نمو يصل إلى 25%.

وحققت صادرات قطاع البترول (النفط والغاز والبتروكيماويات) قفزة غير مسبوقة، إذ ارتفعت خلال 2021 بنسبة 84.28%، لتصل إلى 12.9 مليار دولار، مقابل 7 مليارات دولار خلال عام 2020. كما تجدر الاشارة إلى أن صادرات مصر من الغاز الطبيعي والمسال حققت طفرة غير مسبوقة خلال عام 2021، إذ ارتفعت بنسبة 550%، لتصل إلى 3.9 مليار دولار، مقابل 600 مليون دولار خلال 2020، بينما ارتفعت صادرات مصر من المنتجات البترولية والبتروكيماوية خلال 2021 بنسبة 42.5%، لتصل إلى 5.7 مليار دولار مقابل 4 مليارات خلال 2020.

السياحة

خلال عام 2021، استطاع قطاع السياحة أن يحقق إيرادات مماثلة لمستويات ما قبل جائحة كورونا، إذ ارتفعت إيرادات قطاع السياحة لتسجل ما يزيد عن 13 مليار دولار، بزيادة بلغت 225% مقارنة بإيرادات عام 2020، والتي بلغت 4 مليارات دولار.

الاستنتاج والخاتمة

عزيزي القارئ يجب أن تتذكر دومًا أن الأحداث الراهنة هي أحداث عالمية تؤثر بالطبع على جميع اقتصادات العالم طبقًا لحجم المتغيرات ودرجة ارتباط اقتصاد كل دولة ومعاملاتها مع الجانب الروسي والأوكراني، لكن بخصوص اقتصادنا القومي فالأحداث الخارجية لها آثار وتبعات غير مباشرة مع تفاوت حجم تلك الآثار ودرجة تأثيرها، فمنها نجد جانب ايجابي على صادرات البترول وإيرادات قناة السويس، وأيضًا تحويلات المصريين بالخارج نتيجة لانتعاش مرتقب لاقتصادات دول الخليج المصدرة للبترول، وأيضًا يوجد الجانب السلبي وتحديدًا قطاع السياحة.

على النقيض تمامًا، نجد أن أي أحداث داخلية لها من الآثار والتبعات السلبية المباشرة على الاقتصاد القومي، ولنا من أحداث يناير 2011 دليل واضح، شتان الفارق بين أداء الاقتصاد المصري حاليًا وسابقًا، فحاليًا نحن أمام اقتصاد دولة تم ترسيخ أركانة.

بالإضافة إلى ما تقدم، يجب أن نشير للحقائق التالية وأخذها بعين الاعتبار:

  • أن ما سبق الإشارة إليه من ارتفاع معدلات التضخم في الاقتصاد المصري لمستويات غير مسبوقة كان من الآثار الجانبية المعروفة لدى الاقتصاديين نتيجة تطبيق أهم وأشمل برنامج إصلاح اقتصادي بتاريخ مصر، والذي كانت بدايته في نوفمبر 2016 بإعلان تحرير سعر الصرف.
  • ما شهده الاقتصاد المصري في العقد الأخير من سياسة نقدية انكماشية وارتفاعات غير مسبوقة لمعدلات الفائدة والتي بلغت 20% كان من أجل كبح جماح التضخم، والذي فشلت عجلة الإنتاج في احتوائه، نتيجة لضعف الاقتصاد آنذاك، وضعف مصادر النقد الأجنبي في أعقاب حالة من عدم الاستقرار السياسي إبان أحداث يناير 2011.
  • أن ارتفاعات مستويات التضخم الحالية التي يشهدها الاقتصاد المصري والتي بلغت في فبراير 2022 نسبة 7.234% للتضخم الأساسي على أساس سنوي وكذلك 8.819% للتضخم العام، هي ارتفاعات مؤقتة ونتيجة عوامل خارجية، وتحديدًا الارتفاعات العالمية في أسعار الغذاء والطاقة، نظرًا للأزمة الروسية الأوكرانية، وتعطل سلاسل الإمداد خلال 2021، نتيجة محاولات الاقتصاد العالمي لتعويض خسائر جائحة كورونا.
  • أن مبادرات البنك المركزي المصري لدعم الاقتصاد القومي في مختلف المجالات سواء شركات صغيرة ومتوسطة أو القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية والسياحية كان له عظيم الأثر في حماية الاقتصاد القومي من أضرار جائحة كورونا، وأيضًا الأزمات العالمية التي نشهدها حاليًا.
  • ما تقتضيه المرحلة القادمة لامتصاص موجة التضخم العالمية هي المزيد من الإنتاج، فجميع مدخلات الاقتصاد المصري ومؤشراته في أفضل حال، ولا أتوقع وجود مجال لتغيرات بالسياسة النقدية.
  • موارد الدولة من العملات الأجنبية كافة حققت قفزات إيجابية في عام 2021 كما سبق وأن ذكرنا، مع استمرار النظرة المستقبلية الإيجابية خلال المرحلة المقبلة، مع مراعاة الآثار السلبية الناجمة عن الأحداث العالمية على قطاع السياحة.
  • سعي أجهزة الدولة وتوجيهات القيادة السياسية في التوسع في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية والاتجاه نحو الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية وتكوين مخزون سلعي استراتيجي يكفي احتياجات المصريين لفترات تتجاوز 8 أشهر، يدل على حسن قراءة وتحليل المشهد العالمي بحنكة وجدارة، فاستراتيجية أجهزة الدولة تحولت نحو التحوط واستباق القرارات بدلاً من سياسات رد الفعل. كما يجب أن نشيد بتوجيهات البنك المركزي بالاهتمام بقطاع الزراعة، فما يتم تطبيقه على أرض الواقع عبر استراتيجية البنك الزراعي المصري له عظيم الأثر على اقتصادنا القومي، ولا يجب إغفاله، وسنلقي عليه الضوء في مقالات لاحقة.
  • أناشد الإعلام الوطني بتناول الاقتصاد القومي بصورة كلية وعدم الالتفات لبعض الآراء من الخارج، فالبعض يتجاهل ازدهار اقتصادنا القومي مقارنة باقتصادات الدول الناشئة والدول المحيطة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، والبعض يتغافل عن تناول سلبيات تلك الدول. وعلى سبيل المثال وليس الحصر قفز التضخم في تركيا ليسجل 54.44% لشهر فبراير 2022 مع توقعات بتجاوزه 60% في الأشهر القليلة المقبلة، بالإضافة إلى انهيار قيمة الليرة وتراجع حجم الاحتياطي النقدي والتخبط في السياسات النقدية للبنك المركزي التركي. 
  • القرارات الأخيرة للفيدرالي الأمريكي بزيادة أسعار الفائدة بمقدار 0.25%، لتسجل 0.5% بدلاً من 0.25% في السابق هي إجراءات سبق وأن توقعناها في ظل التسارع القياسي لمستوى التضخم في أمريكا، والذي بلغ 7.9% في فبراير 2022، وهو أعلى نسبة تضخم منذ 1982، وبذلك تكون معدلات العائد الحقيقي هي سالب 7.4%. وإذا لم يتم امتصاص التضخم بأمريكا، فأتوقع زيادة معدلات الفائدة تدريجيًا خلال عامي 2022 و2023 بواقع 1.5% إلى 2%، لتصل إلى معدلاتها السابقة والتي تراوحت بين 1.5% و2.5% في الفترة بين 2018 و2020.

يتضح جليًا مما سبق ومع ثبات العوامل الأخرى ومع الأخذ في الاعتبار المتغيرات الناجمة عن الأزمة الروسية الأوكرانية استمرار إيجابية أداء الاقتصاد المصري في الفترة القادمة والذي حقق نسبة نمو بلغت 9% خلال النصف الأول من العام المالي 2021/2022، وهو أعلى معدل نمو نصف سنوي منذ بداية الألفية، بالإضافة إلى استقرار مصادر التدفقات النقدية الأجنبية السابق استعراضها، مع ثبات النظرة المستقبلية لها، مع أخذ الاحتياطات والتدابير لقطاع السياحة، والذي من المتوقع أن يعاني من فقدان 50% من إيراداته الواردة من السياح الروس والأوكرانيين.

وأرى أن ارتفاع نسب التضخم الحالية بالاقتصاد المصري هي ارتفاعات طبيعية ومؤقتة وناجمة عن متغيرات عالمية لها آثار جانبية غير مباشرة، وإجراءات البنك المركزي المصري وجهود أجهزة الدولة على تعظيم قدرات الاقتصاد المصري قادرة تمامًا على استكمال زيادة معدلات النمو بإجمالي الناتج المحلي، ومن ثم امتصاص التضخم. ومع ثبات العوامل الأخرى كافة، أتوقع الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، واستمرار استقرار سعر الصرف، فالاقتصاد المصري حاليًا يشهد أفضل فترته مع رؤى إيجابية مستقبلية، فمتغيرات اليوم ليست أشبه بالبارحة.

هل الموضوع مفيد؟
شكرا
اعرف / قارن / اطلب