هل يفقد الذهب بريقه مع تراجع توقعات خفض الفائدة الأمريكية؟
شهدت أسعار الذهب تراجعا ملحوظا خلال تعاملات اليوم الاثنين، في ظل مجموعة من الضغوط المتداخلة التي حدت من جاذبيته كملاذ آمن، على رأسها صعود الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد السندات، إلى جانب تراجع التوقعات بشأن خفض أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الاتحادي.
ضغوط مباشرة من الدولار وعوائد السندات
انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.9% ليصل إلى 4631.69 دولار للأونصة، كما تراجعت العقود الآجلة الأمريكية بنسبة 0.5% لتسجل 4657.50 دولار.
وجاء هذا التراجع بالتزامن مع ارتفاع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، إلى جانب صعود مؤشر الدولار، وهو ما يشكل ضغطا مباشرا على الذهب، باعتباره مسعرا بالدولار، حيث يؤدي ارتفاع العملة الأمريكية إلى زيادة تكلفة المعدن النفيس على حائزي العملات الأخرى.
كما أن ارتفاع العوائد يقلل من جاذبية الذهب الذي لا يدر عائدا، مما يدفع المستثمرين إلى التحول نحو أدوات مالية تحقق عوائد ثابتة مثل السندات.
بيانات قوية تعيد تشكيل توقعات الفائدة
جاءت بيانات سوق العمل الأمريكية لتزيد من حدة الضغوط على الذهب، حيث أظهرت إضافة 178 ألف وظيفة خلال مارس، وهو ما تجاوز التوقعات، بالتزامن مع تراجع معدل البطالة إلى 4.3%.
هذه الأرقام عززت من قناعة الأسواق بأن الاقتصاد الأمريكي لا يزال قويا، ما يقلل الحاجة إلى خفض أسعار الفائدة في المدى القريب.
وبالفعل، بدأ المتعاملون في استبعاد احتمالات خفض الفائدة خلال العام الجاري، بعد أن كانت التوقعات تشير سابقا إلى إمكانية تنفيذ خفضين. هذا التحول في التوقعات يمثل عاملا سلبيا رئيسيا للذهب، الذي عادة ما يستفيد من بيئة الفائدة المنخفضة.
النفط والتوترات الجيوسياسية يعيدان رسم المشهد
في المقابل، لم يكن التصعيد الجيوسياسي كافيا لدعم الذهب، رغم استمرار الحرب على إيران وتأثيرها على أسواق الطاقة؛ فقد ارتفعت أسعار النفط، خاصة خام برنت، نتيجة المخاوف بشأن الإمدادات العالمية، وهو ما ساهم في تغذية الضغوط التضخمية.
هذا الارتفاع في أسعار النفط أعاد مخاوف التضخم إلى الواجهة، ما دفع البنوك المركزية إلى التمسك بسياسات نقدية أكثر تشددا، وهو ما انعكس سلبا على الذهب، الذي يفقد جزءا من جاذبيته عندما ترتفع الفائدة لمواجهة التضخم.
تحركات المعادن الأخرى
لم يكن الذهب وحده المتأثر، حيث تراجعت أسعار الفضة بنسبة 1.4% لتصل إلى 71.98 دولار للأونصة، كما انخفض البلاتين بنسبة 0.9% إلى 1970.38 دولار، في حين استقر البلاديوم عند 1503.52 دولار، ما يعكس اتجاها عاما نحو التراجع في المعادن النفيسة تحت ضغط العوامل النقدية والاقتصادية.
قراءة تحليلية
يعكس تراجع الذهب في الوقت الحالي تحولا في أولويات الأسواق من المخاطر الجيوسياسية إلى العوامل النقدية، حيث أصبحت توقعات الفائدة وقوة الاقتصاد الأمريكي هي المحرك الرئيسي للأسعار.
وعلى الرغم من استمرار التوترات العالمية، فإن تأثيرها بات محدودا مقارنة بتأثير السياسة النقدية الأمريكية.
ويشير الأداء الأخير للذهب إلى أنه يمر بمرحلة من الضغوط المركبة، حيث يتراجع تحت تأثير قوة الدولار وارتفاع العوائد وتلاشي آمال خفض الفائدة.
ومع استمرار هذه العوامل، قد يظل الذهب عرضة لمزيد من التقلبات، ما لم تظهر متغيرات جديدة تعيد له جاذبيته كملاذ آمن، سواء من خلال تراجع الدولار أو تحول في توجهات السياسة النقدية العالمية.






